ابن الجوزي

21

صيد الخاطر

سماعا منه ، ولا أكثر كتابة للحديث منه مع المعرفة به ، ولا أصبر على الاقراء ، ولا أكثر دمغة وبكاء مع دوام البشر ، وحسن اللقاء ، ولا يغتاب عنده أحد « 1 » وكان سهلا في إعارة الاجزاء ، وكنا ننتظره يوم الجمعة بجامع المنصور ، فلا يجيء من قنطرة باب البصرة ، وانما يجيء من القنطرة العتيقة ، فسألته عن هذا فقال : تلك دار ابن معروف القاضي ، فلما غضب عليه السلطان أخذها وبنى عليها القنطرة . قال لنا : وسمعت أن ابن معروف أحلّ « 2 » كل من يمر عليها ، إلّا أني لا أفعل . توفي يوم الخميس ( 11 ) المحرم 583 . والجواليقي أستاذ عصره في علوم العربية ، وكان مدرّسها في المدرسة النظامية « 3 » وكان إمام الخليفة المقتفي ، كان متدينا ثقة ورعا ، غزير الفضل ، كامل العقل ، مليح الخط كثير الضبط ، له التصانيف الكثيرة . قال ابن الجوزي : « قرأت عليه كتابه المعرب ، وغيره من تصانيفه » وكان ممن تلقى عنه ابن ناصر ، وله قصة طريفة مع ابن التلميذ النصراني طبيب المقتفي ، مروية في الشذرات « 4 » توفي يوم الأحد 15 المحرم 540 . - 24 - وهو يكثر الكلام عن نفسه في « صيد الخاطر » فيبين أنه نشأ في النعيم ، وربي على الدلال ، وأنه قد حبّب اليه العلم من زمن الطفولة ، ولم يرغب في فن واحد من فنونه ، بل رغب في كل فن ، وأنه يتردد أبدا بين الزهد والعبادة ، وبين العلم والبحث « 5 » وأن من لداته وأصحابه من أنفق عمره في اكتساب الدنيا ، ثم لم ينل منها ما ناله هو ، وأن عيشه ألين من عيشهم ، وجاهه أعلى من جاههم « 6 » وبيّن كيف كان ، في ز من الطلب ، يأخذ معه أرغفة يابسة ويخرج في طلب الحديث ، فيقعد على نهر عيسى ، لا يقدر على أكل هذا الخبز اليابس الا عند الماء ، كلما أكل لقمة شرب عليها شربة ، وانه وجد مع ذلك من لذة العلم وحلاوة الايمان ، ما يخاف على

--> ( 1 ) وكان على ذلك الشيخ بدر الدين الحسني محدث الشام في القرن الرابع عشر الهجري . ( 2 ) أي سامح ( 3 ) وهي أول جامعة في الدنيا ( 4 ) 4 : 127 . ( 5 ) الفصل 21 ( 6 ) الفصل 167